خليل الصفدي
69
نكت الهميان في نكت العميان
وظهر التشيع بسبب ابن الصاحب ، ثم انطفأ بهلاكه ، وظهر التسنن المفرط ثم زال . وظهرت الفتوة ، والبندق ، والحمام الهادي ، وتفنن الناس في ذلك ، ودخل فيه الأجلاء ، ثم الملوك ، فألبسوا الملك العادل وأولاده سراويل الفتوة ، وألبسوا شهاب الدين الغورى ملك غزنة والهند وصاحب كيش وأتابك سعد صاحب شيراز ، والظاهر صاحب حلب . وتخوفوا من السلطان طغريل ، وجرت بينهم حروب ، وفي الآخر استدعوا تكش لحربه وهو خوارزم شاه ، فالتقى معه على الري واحتز رأسه ، وسيره إلى بغداد . وكان الناصر قد خطب لولده الأكبر أبى نصر بولاية العهد ، ثم ضيق عليه لما استشعر منه وعين أخاه ، وألزم أبا نصر بأن أشهد على نفسه أنه لا يصلح وأنه قد نزل عن الأمر . ولم يزل الناصر مدة حياته في عز وجلالة وقمع الأعداء والاستظهار على الملوك لم يجد ضيما ولا خرج عليه خارجي إلا قمعه ، ولا مخالف إلا دمغه . وكان شديد الاهتمام بالملك ومصالحه ، لا يكاد يخفى عليه شيء من أمور رعيته كبارهم وصغارهم . وأصحاب الأخبار في أقطار الأرض يواصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة والباطنة ، وكانت له حيل لطيفة ، ومكايد خفية ، وخدع لا يفطن لها أحد . يوقع الصداقة بين ملوك متعادين ، ويوقع العداوة بين ملوك متصادقين وهم لا يشعرون . ولما دخل رسول صاحب مازندران بغداد كان يأتيه ورقة كل صباح بما فعله في الليل ، وكان يبالغ في كتمان أمره والورقة تأتيه ، فاختلى ليلة بامرأة دخلت إليه من باب السر ، فصبحته الورقة بذلك ، وكان فيها : كان عليكم دواج فيه صورة الفيلة ، فتحير وخرج من بغداد وهو لا يشك أن الإمام الناصر يعلم الغيب ؛ لأن الإمامية يعتقدون أن الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل وما وراء الجدار . وأتى رسول خوارزم شاه برسالة مخفية وكتاب مختوم ، فقيل له : ارجع فقد عرفنا ما جئت به ، فرجع وهو يظن أنهم يعلمون الغيب . ورفع إليه في المطالعات أن رجلا كان واقفا والعسكر خارج إلى ششتر في قوة الأمطار وشدة البرد ، فقال : كنت أريد من اللّه من يخبرني إلى أين يمضى هؤلاء المدابير ، ويسفقنى مائة خشبة فلم ، تزل عين الرافع ترقب القائل حتى وصل إلى مستقره خشية أن يطلب ، فأمر الناصر في الحال أن يطلبه